وقد تعلم، أو لا تعلم، أن بعض المزاح يبعث في النفس الألم. أكان جسديًا أم معنويًا. حتى تغدو دقائقه مرتعًا للكآبة. فربما كلمات قُلتها بهدف الاستمتاع بالضحك، ولكنها قد رفعت الستار عن ذكرى أليمة، فأيقظتها؛ لتبعثر وجعها في قلب الآخر. ولعلها لامست قلقًا في ذاته، لم يبح به، أو جُرحًا لم يندمل بعد، أرهق رُوحه، مُترقبًا بلسمًا، يأتيه ذات وقت.
بُني..
أحدثك من هُنا عمّا رأيت من أثر بقلب صاحبي، والذي كعادته، يفتح قلبه لي، ينصحني لا بالكلمات المباشرة فقط، ولكنه يتخذ من الحكايات التي يستقيها من واقع الحياة طريقًا، يُمررها من خلاله. هو يعلم أني مُغرم بها، لهذا تجده يُحاكيني على الدوام بأسلوب جذاب، يأسرني هيامًا.
صاحبي الذي عرفته ميالًا إلى الهدوء، ينفر من الضوضاء، ويبتعد عن أي نقاش، يُدرك منذ بدايته بأنه لا فائدة منه، ويكره المزاح الذي يُقلل من الآخرين. ذات مرة، بينما كان مع أصدقاءه، قام أحدهم بالمزاح، إلى أن تجاوز حدوده، فتدخل صاحبي؛ لينهيه، فأسمعه كلمات جرحت قلبه، فالتجأ إلى الصمت، وبعد دقائق اعتذر، وغادر المجلس.
الحديث إلى صاحبي. شعرت بألم من كلماته، لدرجة أني لم استطع النوم، أصبحت قلقًا، أقلب أفكاري، وفي أعماقي آهات لا تهدأ. حاولت الهروب من الشعور الذي انتابني، إلى أن خلدت إلى النوم. إنه يبتسم إليَّ الآن، يُوقظني من الشرود الذي اعتراني؛ ليهمس في أعماقي: أرأيت مل يُخلفه المزاح في قلوبنا؟
بُني..
إن المزاح يقصد به الترويح عن النفس، وهذا بحد ذاته، شيء لطيف لا بأس به، ولكن في حدود معينة، لا يتجاوزها. وكما يُقال: "كل شيء يزيد عن حده، ينقلب ضده"؛ لذلك قد يأتي بردود فعل غير سليمة، ونشوء العداوة بين الأصدقاء. فليس من المنطق أن تجعل من المزاح طريقًا للترويح عن نفسك على حساب آلام الآخرين، وجرح مشاعرهم، فإن هذا الأسلوب لا يرفع من قيمتك -إن كنت تظن-، بقدر أنه يُقلل منها، ويجعلها هشة في نظر نفسك، وفي الآخرين.
لا تظن أن المزاح بالكلمات أمر سهل، فإن له أثرًا كبيرًا، فكم من كلمة خلفت جرحًا، يقتات ألمًا، وقد لا يندمل مع مُرور الأيام، ويظل في الذاكرة، ينهشها. وليس فقط المزاح، ولكن عليك انتقاء كلماتك، فربما حديث ما، تُدليه في مكان ما، قد يفتح ذكرى أليمة في نفس أحدهم.
أذكر قبل عدة سنوات، كنت جالسًا مع صاحبي. فأخبرني أنه ذات يوم كان جالسًا مع بعض الأصدقاء وكان فيهم شخصًا لم يسبق له معرفته، حيث كان هذا أول لقاء معه. كان الحديث حينها عن الأدب، تحديدًا الشعر. وعندما كان الحديث إلى صاحبي، وهو الذي يتمتع بأسلوب جذاب، تحدث عن الشعر، مُتطرقًا إلى الأم، وبادر بإلقاء قصيدة عنها، فجأة غمز له أحدهم، ففهم صاحب أنه ينبغي عليه، أن يأخذ الموضوع بعيدًا عن الأم، لأمر لم يكتشفه، ولكنه أدرك أن أمرًا ما، يطلب منه عدم الحديث عنه، فتدارك الأمر، وانحرف ببوصلة الحديث إلى موضعٍ آخر، بحرفية لئلا يشعر الآخرون بذلك.
وبعد مُغادرة الجميع، اقترب من صديقه، وطلب منه تفسيرًا لما حدث. فأخبره أن ذلك الشخص الذي لم يسبق له معرفته، قد فقد أمه منذ أقل من شهر، فلم يُرد أن يتحدث عن الأم، كي لا يُثير في نفسه مشاعر الحزن.



